العمل في الإسلام

in-the10-1.gif

كتاب التفكير الإسلامي للسنة الأولى ثانويكتاب التفكير الإسلامي للسنة الأولى ثانوي

العمل في الإسلام : مصداق الإيمان ومعيار الثواب والعقاب

قال تعالى ﴿وَأَنَّ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعـٰـى * وَأَنَّ سَعْيَه سَوْفَ يُرٰى * ثـُمَّ يُجْزٰـهُ الجَزَاءَ الأَوْفـٰـى﴾ النجم الآيات 39 – 40

العمل في الاصطِلاح: هو كلُّ نشاطٍ جسمي أو عقلي يقوم به الإنسان بهدف الإنتاج في مؤسَّسة؛ حكوميَّة كانت أو خاصَّة، أو في حرفة أو مهنة
للعمل في الإسلام مكانةٌ كبيرة ومنزلة رفيعة.. الإسلام قرن العمل بالجهاد في قوله سبحانه : ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ المزمل: 20

عني الإسلام بالعمل عناية كبيرة، وجعله من الواجبات، ومما يؤكد على أهمية العمل في الإسلام ورود كلمة (العمل)  ومشتقاتها  في القرآن الكريم نحو (360) مرة ووردت ( 190 ) آية عن ( الفعل)
لقد اعتَبَر الإسلام  العمل جهادًا، فقد رُوِي أنَّ بعض الصحابة رأوا شابًّا قويًّا يُسرِع إلى عمله، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فردَّ عليهم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله: ( لا تقولوا هذا؛ فإنَّه إنْ كان خرَج يسعى على ولده صِغارًا فهو في سبيل الله، وإنْ كان خرج يسعى على أبوَيْن شيخَيْن كبيرَيْن فهو في سبيل الله، وإنْ كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإنْ كان خرج رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)

لقد فضل عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه-  العمل والكسب على الجهاد حيث يقول: "لَأَنْ أموت بين شعبتي رَحلِي أَضرِب في الأرض أبتغي من فضل الله أَحَبُّ إليَّ من أنْ أُقتَل مُجاهِدًا في سبيل الله؛ لأنَّ الله - تعالى - قدَّم الذين يضرِبون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين  ) قال تعالى ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ المزمل: 20  ( انظر الكسب"؛ لمحمد بن الحسن الشيباني؛ بتحقيق: سهيل زكار - ط1 - دمشق، 1400هـ / 1980م، ص64، وانظر: "سيرة عمر بن الخطاب"؛ لابن الجوزي - مصر: المكتبة التجارية الكبرى، ص 177  ) جعَل الإسلام  الإرهاق والإجهاد من العمل من مُكفِّرات الخطايا والذنوب ألم يقل  النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (مَن أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له ) واه الطبراني في "الأوسط" ،العمل سنَّة أنبياء الله  ورسله فبالرغم من انشِغالهم بالدعوة إلى الله وتبليغ رسالته إلى أممهم وأقوامهم فقد كانوا يعملون قال الله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ الفرقان: 20 ، يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: "أي: يبتَغُون المعايش في الدنيا... وهذه الآية أصلٌ في تناوُل الأسباب وطلَب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك" لقد عَمِلَ آدَم في الزراعة، وكان إبراهيم بزازًا، ونوح نجارًا وكذا زكريا، كما كان لقمان خياطًا وكذا إدريس، وكان موسى راعيًا، وأخبر - سبحانه - عن داود - عليه وعليهم جميعًا أفضلُ الصلاة وأَتَمُّ التسليم - أنَّه كان يصنع الدروع. وقد أخبر نبيُّنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه كان يعمَل برعي الأغنام؛ حيث يقول: (ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم) ، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ) ، كما كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يخرج إلى الشام للاتِّجار بمال خديجة - رضي الله تعالى عنها.

جاء في القرآن الكريم جزء من آية، ثلاث كلمات بعيدة الدلالة والمغزى تلك هي ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ (80 الأنبياء) من هذه الكلمات الثلاث نعلم أن الحديث صادر من الله تعالى.. فالله تعالى هو الذي "عَلَّمَ" وأن الحديث موجه إلى داود، رأس بني إسرائيل وفخرها وأن ما علّمه الله لداود هو صنعة الدروع. فأي تكريم للصنعة كما جاءت اللفظة القرآنية وهي نفسها اللفظة السارية بين العمال اليدويين.. أن يعلّمها الله نفسه لداود نفسه.. كما تضمن الآية أيضا أن العلم هو وسيلة الصنعة وليس شيئا آخر.

قال الله  تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ البقرة: 172 ويقول - تبارك وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ البقرة: 267. أكدت الدراسات الميدانية في مجال علم الاجتماع الصناعي أن الإنسان دائمًا يعمل ليجد إشباعًا لكل حاجاته، وأولى هذه الحاجات. ما يحتاجه الجسم: من الطعام والشراب والكساء – ، فإذا فرغ من ذلك يعمل لإيجاد مأوى لنفسه يجد فيه الأمن والاستقرار .فإذا هيأ المأوى بحث عن الزوجة؛ فإن تزوج وأنجب بدأ يبحث عن المكانة الاجتماعية ليحظى بمقتضاها بالاحترام والتقدير..

وورد في الخبر أن صحابيين وفدا على الرسول (ص) ومعهما أخ لهما يحملانه على أيديهما فلما سألهما النبي (ص) عن حاله قالا: "إنه لا ينتهي من صلاة إلا إلى صلاة ولا من صيام إلا إلى صيام حتى أدرك من الجهد ما ترى، فقال لهما: فمن يرعى له إبله ويسعى على ولده، فقالا: نحن يا رسول اللَّه، فقال لهما: أنتما أعبد منه وأتقى". ولما رجع (ص) من بعض غزواته كانت معه شاة فقال بعض أصحابه : علي ذبحها ، وقال ثان : علي سلخها ، وقال ثالث وعلي طبخها ، فقال (ص) وعلي جمع الحطب ، وقام (ص) يجمع الحطب من تلك الصحراء وهكذا كان النبي (ص) يعمل ويشارك أصحابه في أتعابهم ويتعاون معهم في شؤون هذه الدنيا   .

يجاهد الإنسان ويكابد في الحياة من أجل تحقيق ذاته للوصول إلى أسمى مراحل الاكتفاء الذاتي وبالتالي السلام والمصالحة مع نفسه والشعور بالرضا النفسي والطمأنينة. العمل يمنح الإنسان إحساسا جميلا بالقدرة علي الخلق و بوجود معنى ومبررو غاية لحياته و يخلصنا من الشعور بالخواء و العدمية و اللامعنى على عكس الأثرياء الذين يفقدون إحساس الوجود حيث يقول توفيق الحكيم "الحركة بركة و التواني هلكة و الكسل شؤم و كلب طائف خير من أسد رابض و من لم يحترف لم يعتلف إن  العمل يعطي الإنسان  إحساسا بقدرته على قهر الزمان فالعامل هو صانع التاريخ و المشارك فيه.

يقول - تعالى -: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ الملك: 15،  ويقول أيضًا: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) الجمعة: 10، يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "رُوِي عن بعض السلف أنَّه قال: مَن باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارَك الله له سبعين مرَّة؛ لقوله - تعالى -: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ الجمعة: 10، ويقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده ) ، ويقول صلى الله عليه و سلم  أيضًا: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلةٌ فإن استَطاع ألاَّ يقوم حتى يغرسها فليفعلْ). عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة)  رواه البخاري . قال ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث فضل الغرس والزرع، والحض على عمارة الأرض.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ أَيْ أَخِي أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالا فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَدَلُّوهُ عَلَى السُّوقِ فَذَهَبَ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَرَبِحَ فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ  وفي رواية : ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ ( أي داوم الذّهاب إلى السوق للتجارة ) ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ ( أي أثر ) زَعْفَرَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَهْيَمْ ( أي ما شأنك ) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ مَا أَصْدَقْتَهَا قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً . رواه الإمام أحمد  وهو في صحيح البخاري

1ـ بالعمل يقع إشباع الحاجات النفسية:
يساهم العمل في إشباع الحاجات النفسية للانسان كالحاجة إلى الاحترام والتقدير، والحاجة إلى إثبات الذات، والحاجة إلى الاستقرار الباطني، والحاجة إلى الاطمئنان النفسي، وغيرها من الحاجات النفسية والمعنوية.
والعمل يقوي كيان الانسان المعنوي، كما أنه يصفي الروح، ويصقل الضمير الانساني، ويجلي المواهب الباطنة، ويهذب النفس الانسانية، وينمي  الروح الاجتماعية، ويصنع الإرادة القوية.

بالعمل توفير المتطلبات المادية:
العمل هو الذي يجعل الانسان قادراً على توفير حاجاته المادية، من أكل وشرب ومسكن وسيارة وغيرها من اللوازم الضرورية والثانوية في حياة الشباب، فالعمل ضرورة حياتية وشخصية، فلا حياة سعيدة لمن لا عمل له، إذ يفقد القدرة على توفير ما يحتاج إليه من لوازم وحاجات لا يمكن الاستغناء عنها لأي إنسان كان، ولذلك يسعى كل إنسان إلى تأمين عمل مناسب له كي يتمكن من إشباع حاجاته المادية والأساسية.

الملاحظ أن الكثيرين يعتقدون أن تحقيق الذات لا يصير واقعا إلا عن طريق الوظيفة لذلك يبذلون كل ما في وسعهم للحصول عليها.  البيئة الوظيفية الضاغطة فتقيد الموظف وتكبله ولا تساعده على النمو والترقي.. وبالتالي تحرمه من فرصة المضي قدما في المسار الطبيعي المؤدي إلى تحقيق ذاته.. حقيق الذات والطموحات العالية والأدوار المؤثرة في المجتمع تتطلب توافر بيئة مفتوحة تساعد على الإبداع والابتكار

تجد أن كل واحد يخدم الآخر من حيث يدري أو لا يدري ولذا قال الشاعر:

الناس للناس من بدو وحاضرة ..

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

قال تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيْمَا اٰتَاكَ اللهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيْبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ سورة القصص آية 77

قال سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا

ذهب الشيخ محمود شلتوت رحمه الله إلى  أن القرآن يعبر عن العقيدة بالإيمان.. وعن الشريعة "بالعمل الصالح" وأن الإسلام يحتم "تعانق الشريعة والعقيدة بحيث لا تنفرد إحداهما عن الأخرى على أن تكون العقيدة أصلا يدفع إلى الشريعة والشريعة تلبية لانفعال القلب بالعقيدة. وقد كان هذا التعانق طريق النجاة والفوز بما أعده الله لعباده المؤمنين." لا يوجد في الإسلام ازدواجية، عملك دينك، عملك عبادتك، عملك جزء من رسالتك في الحياة،قال سيدنا عمر: "إذا رأيت الرجل ليس له عمل يسقط من عيني" فكرامة الإنسان أن يكون له عمل، أي عمل ما لم يكن محرماً في الشريعة شكلاً أو مضموناً أو أسلوباً فهذا العمل شريف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:  (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) - متفق عليه عن الزبير بن العوام- قال الغزالي : "أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروريٌ في المعاملات" يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. فعلى المسلم أن يعمل ويجتهد حتى تتحقق قيمته في الحياة، يقول الشاعر:
بِقَدْرِ الْكَـدِّ تُكْتَسَـبُ المعَـالِـي
ومَنْ طلب العُلا سَهرَ اللَّـيالِــي
ومن طلب العُـلا من غير كَــدٍّ
أَضَاع العُمْـرَ في طلب الْمُحَــالِ

لقد أغفل كثير من المسلمين في مجتمعنا المعاصر المعنى الكبير للعمل وعلاقته الوثيقة بالإيمان إن العمل في الإسلام عبادة فالمصنع مسجد و السوق مسجد و الإدارة مسجد و المدرسة و الكلية مسجد  له قداسة المسجد

 

 

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×