المجادلة بالحسنى

134664286462.jpg

كتاب التفكير الإسلامي للسنة الأولى ثانويكتاب التفكير الإسلامي للسنة الأولى ثانوي

قال الله تعالى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) ) سورة مريم الآيات 41/47

سورة مريم  مكية إلا آيتي 58، 71 فمدنيتان، وآيها ثمان وتسعون.

تفسير المفردات

واذكر في الكتاب: أي اتل في هذه السورة

(صِدِّيقاً)  بناء مبالغة من الصدق لم يكذب قط،أو من التصديق ( ما لا يسمع و لا يبصر) يعني الأصنام

( صراطا سَوِيّاً) أي قويما ،أي طريقا مستقيما موصلا إلى نيل السعادة

أراغب أنت عن آلهتي: أي أكاره لها

( لأرجمنك )  قيل: يعني الرجم بالحجارة وقيل: الشتم

( واهجرني مَلِيّاً)  أي حيناً طويلاً، وعطف اهجرني على محذوف تقديره احذر رجمي لك . مليّا: أي دهرا طويلا.

( قَالَ سلام عَلَيْكَ)  وداع مفارقة

( سأستغفر لك ) وعد، وهو الذي أشير إليه بقوله: عن موعدة وعدها إياه قال ابن عطية، معناه: سأدعو الله أن يهديك

حفيا: أي مبالغا في برّى وإكرامى يقال: حفى به إذا اعتنى بإكرامه

شقيا: أي خائب المسعى

لسان صدق: أي ثناء حسنا.

المعنى الجملي

اعلم أن المقصد من سورة  مريم إثبات الوحدانية والنبوة والبعث، والمنكرون للتوحيد فريقان: فريق أثبتوا معبودا سوى الله حيا عاقلا وهم النصارى. وفريق أثبتوا معبودا هو جماد ليس بحي ولا عاقل وهم عبدة الأصنام. والفريقان وإن اشتركا في الضلال، فضلال الفريق الثاني أشد، ومن ثم قدم الكلام في النصارى على الكلام في عبدة الأصنام. وذكر قصص إبراهيم أوّلا لأنه أبو العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه، معترفين بدينه كما قال « ملة أبيكم إبراهيم » إلى أنه تعالى نبههم إلى أن الطريق التي جروا عليها وهي التقليد بنحو قولهم « إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون » تخالف طريق الاستدلال التي سار عليها أبوهم إبراهيم في حجاجه مع أبيه آزر.

الإيضاح

(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبية يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟) أي واتل أيها الرسول على قومك الذين يعبدون الأصنام ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته ويدّعون أنهم على ملته (وهو الصّدّيق النبي). حين نهى قومه عن عبادتها وقال لأبيه: ما الذي حبّب إليك أن تعبد ما لا يسمع ثناءك على حين عبادتك له، ولا يبصر خشوعك وخضوعك بين يديه، ولا ينفعك فيدفع عنك ضرا إذا استنصرت به؟.

وقد سلك عليه السلام في دعوته أجمل الآداب في الحجاج، واحتج بأروع البرهانات ليرده عن غيه، ويقفه على طريق الهدى والرشاد، فاستهجن منه أن يعبد ما يستخفّ به كل ذي لبّ، ويأبى الركون إليه كل ذي عقل، فالعبادة هي الغاية القصوى في التعظيم، فلا يستحقها إلا الخالق الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، لا الأصنام التي لا تسمع الأصوات، ولا تنظر الأشياء، وتعجز عن جلب المنافع، ودفع المضار.

وقصارى ما قال - إن الإنسان السميع البصير يأنف أن يعبد نظيره، فكيف تعبد ما خرج عن الألوهية بفقره وضعفه واحتياجه إلى من يصنعه، وعن الإنسانية بفقد العقل، وعن الحيوانية بفقد الحواس.

أما كان لك عبرة في حاجته وفقده السمع والبصر؟.

(يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) أي يا أبى إني وإن كنت من صلبك، وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم إني قد اطّلعت من العلم على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه، فاتبعني أهدك طريقا مستقيما لا زيغ فيه، يوصلك إلى نيل المطلوب، وينجيك من كل مرهوب.

وفي قوله: قد جاءني إيماء إلى أن هذه المحاورة كانت بعد أن نبّىء، ولم يعين ما جاءه ليشمل كل ما يوصّله إلى الجنة ونعيمها، ويبعد به عن النار وعذابها.

(يا أبت لا تعبد الشيطان) أي لا تطع الشيطان في عبادة هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى عبادتها والموسوس بها.

ونحو الآية قوله: « ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين » وقوله: « إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ».

ثم بين سبب النهي عن طاعته بقوله:

 ( إن الشيطان كان للرحمن عصيا) أي إن الشيطان عاص مستكبر عمن شملته رحمتك، وعمّته نعمتك، ولا ريب في أن من أطاع العاصي يكون عاصيا وجديرا بأن تسترد منه النعم، وحقيقا بأن تنزل عليه النقم.

ثم حذره من سوء عاقبة ما هو فيه من عبادة الأصنام فقال:

(يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) أي يا أبى إني أخاف لمحبتى لك، وغيرتى عليك، أن يصيبك عذاب من الرحمن على شركك وعصيانك.

(فتكون للشيطان وليا) أي قرينا وتابعا له في النار.

وقصارى ذلك - إني أخاف أن تكون تابعا للشيطان في الدنيا، فيمسّك عذاب من الرحمن في العقبى.

ولما دعا إبراهيم أباه إلى التوحيد، وذكر الدلائل على فساد عبادة الأوثان، وأردف ذلك بالوعظ واللطف، قابله أبوه بجواب هو على الضد من ذلك.

(قال أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم؟) أي أتكره آلهتي، ولا ترغب في عبادتها يا إبراهيم؟.

(لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى مليا) أي لئن لم تنته عما أنت فيه من النهي عن عبادتها والدعوة إلى ما دعوتنى إليه، لأرجمنك بالحجارة، فاحذرنى وابعد عنى بالمفارقة من الدار والبلد دهرا طويلا.

وقد قابل الأب رفق الابن بالعنف، فلم يقل يا بني كما قال الابن يا أبت، وقابل وعظه بالسفاهة، إذ هدده بالشتم أو بالضرب بالحجارة بقوله: لئن لم تنته لأرجمنك.

وفي نزول هذه الآيات  تسلية للنبي محمد صلى الله عليه و سلم  وتأسية له بإبراهيم فيما كان يلقى من الأذى من قومه ويقاسيه منهم ومن عمه أبى لهب من العنت والمكروه.

ولما سمع إبراهيم عليه السلام كلام أبيه أجابه بأمرين:

(1) (قال سلام عليك) أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه ما لم أومر فيك بشىء، وهذا جواب الحليم للسفيه، وفيه توديع ومتاركة ومقابلة للسيئه بالحسنة، وزاد على ذلك أن قال:

(2)  ( سأستغفر لك ربى) أي سأطلب لك من ربى الغفران، بأن يوفقك للهداية، وينير بصيرتك لقبول الحق، ويرشدك إلى ما فيه الخير. ونحو الآية قوله: ( واغفر لأبي إنه كان من الضالين )

وقصارى دعائه - رب اهد أبي، وأخرجه من الضلال. وإنما استغفر له، لأنه كان قد وعده أن يؤمن كما قال: ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه(.

ثم ذكر أنه محبب إلى ربه فإذا هو استغفر له أجاب طلبه فقال:

(إنه كان بى حفيا) أي إنه سبحانه للطفه بي، وإنعامه علي، عوّدنى الإجابة، فإذا أنا استغفرت لك أغاثك بجوده وكرمه، وغفر لك ذنوبك إن تبت إليه وأنبت ثم بين ما بيّت النية عليه، وعزم على إنفاذه فقال:

(وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) أي وأتباعد عنك وعن قومك وعما تعبدون من الأوثان والأصنام، وأفر بديني وأتشاغل بعبادة ربى الذي ينفعنى ويضرنى، إذ لم تؤثر فيكم نصائحي.

وقد روى أنه عليه السلام هاجر إلى بلاد الشام، وفى هجرته هذه تزوج سارّة.

(وادعوا ربى) أي وأعبده سبحانه وحده، وأجتنب عبادة غيره من المعبودات.

(عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا) أي لعلى لا أكون بدعاء ربى المنعم علي خائب المسعى، كما خبتم أنتم وشقيتم بعبادة تلك الأوثان التي لا تجيب دعاءكم ولا تنفعكم ولا تضركم.

وقد حقق ما عزم عليه، فحقق الله رجاءه، وأجاب دعاءه فقال:

(فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا نبيا) أي فلما اعتزل إبراهيم أباه وقومه لم يضره ذلك لا في دين ولا دنيا، بل نفعه إذ أبدله بهم من هم خير منهم ووهبه بنين وحفدة هم آباء الأنبياء من بني إسرائيل ولهم الشأن الخطير، والقدر العظيم، فقد وهبه إسحاق وولد لإسحاق يعقوب وقاما مقامه بعد موته وورثا منه النبوة. أما إسماعيل فتولى الله تربيته بعد نقله رضيعا إلى المسجد الحرام فأحيا تلك المشاعر العظام، ومن ثم أفرده بالذكر بقوله: « واذكر في الكتاب إسماعيل » الآية.

ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته بقوله:

(وكلا جعلنا نبيا) أي وجعلنا لكل منهما نسلا وعقبا من الأنبياء أقر الله بهم عينيه في حياته.

(ووهبنا لهم من رحمتنا) أي وآتينا هم من فضلنا الديني والدنيوي ما لم نؤته أحدا من العالمين، فآتيناهم النسل الطاهر، والذرية المباركة، وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء، والبركة في المال والأولاد إلى نحو أولئك من خيري الدنيا والآخرة.

(وجعلنا لهم لسان صدق عليا) فمحامدهم مذكورة في جميع الأزمان، سطّرها الدهر على صفحاته، استجابة لدعوته عليه السلام بقوله: « واجعل لي لسان صدق في الآخرين » قال ابن جرير وإنما قال عليّا، لأن جميع الملل والأديان تثنى عليهم وتمدحهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وقد اجتمعت لإبراهيم خلال لم تجتمع لسواه:

(1) إنه اعتزل قومه حبا في الله، فآتاه الله من هم خير منهم، فوهب له إسماعيل وإسحاق ويعقوب.

(2) إنه تبرأ من أبيه حين تبين منه أنه عدو لله، لا جرم سماه الله أبا المسلمين بقوله: ( ملة أبيكم إبراهيم )

(3) إنه تلّ ولده للجبين، ليذبحه إطاعة لأمر الله ففداه الله بذبح عظيم.

(4) إنه أسلم نفسه للنار ابتغاء رضوان الله فكانت عليه بردا وسلاما.

(5) إنه أشفق على هذه الأمة فقال: ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم)  فأشركه الله في الدعاء وفى الصلوات الخمس - وصل على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.

(6) إنه عادى كل الخلق في الله فقال: ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) فاتخذه الله خليلا كما أخبر بذلك الكتاب: ( واتخذ الله إبراهيم خليلا )

(7) إن الله مدحه بقوله: « وإبراهيم الذي وفى » لا جرم جعل موطىء قدميه مباركا كما قال: ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).

وفي قصة إبراهيم مع قومه موعظة لقريش في الرجوع إلى الحق، وترك ما عليه الآباء والأجداد من الضلال القديم، وقريش تعظم إبراهيم وتدّعي أنها على دينه، فها هو دينه يجلوه القرآن، وها هي خطته مع أبيه وقومه المشركين، فهل أنتم معتبرون يا من يدعى الانتساب إلى ملته؟ وهل أنتم متبعوه؟.

وذلك لاشتمالها على قصتها ونبئها الجارف ، وتشريعاً للسيدة العذراء ، البتول ، مريم إبنة عمران ، وتخليداً لتلك المعجزة الباهرة فى خلق إنسان بلا أب ، ثم انطاق الله للوليد وهو طفل فى المهد ، وما جرى من أحادث رافقت ميلاد عيسى عليه السلام .

لم تذكر امرأة باسمها صريحاً فى القرآن الكريم  إلا "مريم" ، عليهما السلام

ذكرت مريم فى القرآن الكريم أربعاً وثلاثين مرة

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×