تكامل العقل و النقل

 

2016 05 09 17 30 39 copie 1262286072.gif

مع تحيات الأستاذ لطفي التلاتلي                                                                                                                                                   

كتاب التفكير الإسلامي للسنة الأولى ثانويكتاب التفكير الإسلامي للسنة الأولى ثانوي

 

تكامل العقل و النقل في إثبات حقيقة الغيب

مع أبي حنيفة النعمان :

قال الملحدون لأبي حنيفة : في أي سنة وجد ربك ؟
قال : الله موجود قبل التاريخ والأزمنة لا أول لوجوده .
قال لهم : ماذا قبل الأربعة ؟
قالوا : ثلاثة
قال لهم :ماذا قبل الثلاثة ؟
قالوا : إثنان
قال لهم : ماذا قبل الإثنين ؟
قالوا : واحد
قال لهم : وما قبل الواحد ؟
قالوا : لا شئ قبله
قال لهم : إذا كان الواحد الحسابي لا شئ قبله فكيف بالواحد الحقيقي
وهو الله !إنه قديم لا أول لوجوده.
قالوا : في أي جهة يتجه ربك ؟
قال : لو أحضرتم مصباحا في مكان مظلم إلى أي جهة يتجه النور ؟
قالوا : في كل مكان
قال : إذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السماوات والأرض !؟
قالوا : عرّفنا شيئا عن ذات ربك ؟ أهي صلبة كالحديد أو سائلة
كالماء؟ أم غازية كالدخان والبخار؟
فقال : هل جلستم بجوار مريض مشرف على النزع الأخير
قالوا : جلسنا
قال : هل كلمكم بعدما أسكته الموت ؟
قالوا : لا
قال : هل كان قبل الموت يتكلم ويتحرك ؟
قالوا : نعم
قال : ما الذي غيره ؟
قالوا : خروج روحه
قال : أخرجت روحه ؟
قالوا : نعم
قال : صفوا لي هذه الروح ، هل هي صلبة كالحديد أم سائلة كالماء ؟
أم غازية كالدخان والبخار ؟
قالوا : لا نعرف شيئا عنها
قال : إذا كانت الروح المخلوقة لا يمكنكم الوصول إلى كنهها فكيف
تريدون مني أن اصف لكم الذات الإلهية ؟

" وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَرَادُوا الْبَحْثَ مَعَهُ فِي تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ . فَقَالَ لَهُمْ : أَخْبِرُونِي قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سَفِينَةٍ فِي دِجْلَةَ ، تَذْهَبُ ، فَتَمْتَلِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَتَاعِ وَغَيْرِهِ بِنَفْسِهَا ، وَتَعُودُ بِنَفْسِهَا ، فَتَرْسُو بِنَفْسِهَا ، وَتُفْرِغُ وَتَرْجِعُ ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدَبِّرَهَا أَحَدٌ ؟ ! فَقَالُوا : هَذَا مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا ! فَقَالَ لَهُمْ : إِذَا كَانَ هَذَا مُحَالًا فِي سَفِينَةٍ ، فَكَيْفَ فِي هَذَا الْعَالَمِ كُلِّهِ عُلْوِهِ وَسُفْلِهِ !! وَتُحْكَى هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ ."

تعريف العقل  و علاقته بالنقل :

العقل : وسيلة بحث وإدراك وتحليل واستنتاج ومن أفضل القوى لدى الإنسان وتميزه عن سائر المخلوقات

الـــنّــقـــــــل : ما نقل عن الله عن طريق الوحي والرسل

عرف السيد الشريف الجرجاني رحمه لله-" العقل" اصطلاحاً بأنه:"جوهر مجرد يدرك حقائق الأشياء والغائبات بالوسائط، ويدرك المحسوسات بالمشاهدة؛ وهو محله الرأس أو القلب على خلاف في ذلك وما يدلل على مكانة العقل في الإسلام أنه يعتبر أحد الكليات الخمس في الدين التي أوجب الشارع الحكيم حفظها كما أن الإسلام يعدُّ أيضاً التفكير مقصدا من مقاصد الشريعة و من أهم  وظائفها:

1-التعرف على الخالق عز وجل وجوداً وصفات، دون تجاوز ذلك بمحاولة التفكر في ذاته سبحانه فذلك مما لا طاقة للإنسان به ويفوق حدود مداركه العقلية.

2-التمييز بين ما هو خير جالب للمنفعة والمصلحة وبين ما هو شر جالب للضرر والمفسدة، وتحسين ما يراه الشرع حسناً وتقبيح ما يراه قبيحاً.

3-اكتساب القدرة على الفهم السليم الواعي لأوامر الوحي ونواهيه.

جعل الله عز وجل العقل مناط تكليف الإنسان وجعله المعول الأساسي في فهم أحكام الشريعة، والمرشد لكيفية تنزيلها وتطبيقها في واقع المجتمعات. يقول العز بن عبد السلام : ( والعقل هو مناط التكليف بإجماع المسلمين)  ويقول القرطبي في تفسيره:( فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل)   يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله- مبرزاً العلاقة بين العقل والوحي الذي يمثله الرسول  مبيناً حاجة كل منهما للآخر: لله -عز وجل- رسولان إلى خلائقه: أحدهما من الباطن وهو العقل، والثاني من الظاهر وهو الرسول، ولا سبيل لأحد بالانتفاع بالرسول الظاهر ما لم يتقدمه الانتفاع بالباطن. فالباطن يعرف صحة دعوى الظاهر، ولولاه لما كانت تلزم الحجة، ولهذا أحال الله بين من يشكك في وحدانيته وصحة نبوءة أنبيائه على العقل، وأمر أن يفزع إليه في معرفة صحتها، فالعقل قائد والدين مسدد، ولو لم يكن العقل لم يكن الدين باقياً، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائراً فالعقيدة الإسلامية ترى أن العقل ليس منفصلاً عن الوحي، فهناك علاقة تلازم بينهما وتكامل، ولا ترى لأحدهما نفعاً دون الآخر، فلا وجود لحقيقة علمية أو عقلية إلا وهي موافقة لنصوص الوحي  فالعقل والوحي كلاهما منحة من الله، ومنح الله لا تتعارض فالشرع عصمة للعقل، والعقل نبراس للشرع؛ هذا ما قرره سلف هذه الأمة من العلماء ويقول الراغب الأصفهاني: " فالعقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبين معناه ويدرك وتفهم مقاصده إلا بالعقل، فالعقل هو الأساس والشرع كالبناء، فلا قيمة للأساس ما لم يكن عليه بناء، ولن يثبت البناء ما لم يكن مرتكزا على أساس متين.. وأيضا مثل العقل والشرع كالسراج،فالشرع هو الزيت والعقل هو السراج، فإن لم يكن هنا الوحي عموماً سواء كان قرآنا أو سنة -من خلال تربيته لعقل الإنسان على الحركية- تأملاً، وتفكراً، وتدبراً فيما حوله من كائنات- إنما يريد أن يصل بالإنسان إلى القناعة العقلية بأن حقيقة هذه الظواهر الطبيعية أنها من خلق الله وتدبيره وإتقانه، مع غرس اليقين بعجز ما سوى الله من كائنات ممن ادّعي لها صفة الألوهية، فهي ليست لها القدرة لكونها مخلوقة ومحكومة بسنن سطرها لها الله وجرى بها قدره ليستنكر الوحي بذلك على من اتخذ أحد هذه الظواهر أو المخلوقات آلهة تعبد من دونه، قال تعالى:( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)

إن لم يكن لك زيت فلن ينتفع بالسراج، وإن لم يكن هناك سراج فلن يضيئ الزيت..فالشرع نور والعقل نور، وكلاهما مكمل للآخر.  "نُورٌ عَلَى نُورٍ فالحكمة من خلق الله للإنسان لا يمكن أن نصل إليها إلا عبر الإيمان بالبعث واليوم الآخر،  فالإيمان بالبعث والحساب الأخروي مخرج من القول بالعبثية في الخلق من قبل الله عز وجل. قال تعالى مستثيراً عقل الإنسان:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) وقال تعالى:( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقال تعالى: ( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى). فالإنسان لو أعمل عقله بتجرد لحكم بداهة أن كل صانع أو مخترع من البشر، لابد وأنه قد جعل سبباً وهدفاً يرمي به من وراء ما صنع أو اخترع.. ولا يمكن أن يحكم على أن هذا المخترع أو الصانع للآلة المعينة أنه قد صنعها هكذا بدون هدف أو دراسة مسبقة تبيّن الغاية منها!.. فإذا كان هذا حال الإنسان الضعيف المخلوق فكيف الأمر بالنسبة لله عز وجل الخالق الذي تعلو إرادته إرادات باقي مخلوقاته جميعاً!. وقد بينت نصوص الوحي الغاية من خلق الإنسان ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ[، ثم بينت الغاية والهدف من خلق الحياة والموت ]الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَــاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَــلا)

1-لا مجال - في الرؤية الإسلامية السليمة- للانحراف والاستبداد باسم العقل، ولا باسم الشرع، كما أنه لا مجال لتعطيل العقل باسم الشرع، وأن يحول الأخير إلى وسيلة ترهيب وتخويف للناس، أو أن يحول إلى جملة من القيود متمثلة في عدد من الأوامر والنواهي والتجريمات التي لا تراعي أحوال الناس وواقع حياتهم، وما يتعرضون له من تحديات.

2-وجوب حماية العقل من الخوض في المسائل الغيبية، والتسليم فيها لتوجيهات وإرشادات الوحي، لأن العقل في تركيبة بنائه لا يسعه التوصل إلى كسب معرفة عالم الغيب. 
وهذا العقْل العظيم هو حجَّة قائمة لوحده في إثبات وجود الله - تعالى - وعبادته، ونفْي الشَّريك عنْه حتَّى وإن لم يرِدْ بذلك شرع، فإنَّ الله تعالى قد ركَّز في الفِطَر والعقول حقيقة الإيمان بالله والكُفْر بما يعبد من دونه، وإنَّما جاءت الرسل للتَّذْكير بما هو مستقرٌّ في عقول وفِطَر الخلق قبل وقوع الانحِراف فيهما.
ومع هذا الدَّور العظيم الَّذي منحه الشَّارع للعقل، إلاَّ أنَّه قطع مرام العقْل في الخوض فيما لا يصلح له، ولا يمكن أن يكون له فيه دوْر في البحث، في الغيبيَّات الخارجة عن نطاق تصوُّر العقل لها، وعلى رأسِها قضيَّة الألوهيَّة بجوانبها الثَّلاثة ( الذَّات - الصِّفات – الأفعال)

هل صحيح أن الإسلام لا يحترم العقل ؟

من الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام في الداخل والخارج التناقض المزعوم بين “العقل” و”النقل” والادعاء بأن الإسلام لا يحترم العقل وأن الثقافة الإسلامية ثقافة نقلية لا عقلية وأن جميع علماء المسلمين من دون استثناء غير مؤهلين لأنهم اعتمدوا على النقل وليس التفكير، ويطالب هؤلاء بإخضاع كل أمور الدين للعقل وإلغاء كل الأساسيات الموجودة التي تعتبرها الأمة من المسلمات، والبحث من جديد عن الحقيقة معتمدين على العقل فقط.

للأسف هذا الكلام الساذج يردده نفر غير قليل من المثقفين في بلادنا العربية والإسلامية مع أنهم لو قرأوا القرآن الكريم مجرد قراءة عابرة، ولو اطلعوا على كتاب واحد من كتب الأحاديث النبوية الشريفة لأدركوا أن الإسلام بلغ درجة عالية من التفوق والتميز في احترام عقل الإنسان، فمقام العقل في الإسلام مكان عال وفريد ولا نظير له في الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية الخاتمة، إذ إن العقل في الإسلام هو مناط التكليف بكل فرائض وأحكام الإسلام، أي أنه شرط التدين بدين الإسلام.

المعجزة القرآنية الخالدة هو في حقيقة الأمر معجزة عقلية ارتضت العقل حكماً في فهمها، وفي التصديق بها، وفي التمييز بين المحكم والمتشابه من آياتها، وأيضاً في تفسير هذه الآيات، فليس للقرآن الكريم كهنوت يحتكر تفسيره، وإنما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين، وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية تدهش العقول فتشلها عن التفكير والتعقل جاءت معجزة الإسلام الأولى وهي القرآن الكريم معجزة عقلية، تستنفر العقل كي يتعقل ويتفكر ويتدبر وتحتكم إليه باعتباره القاضي في تفسير آياتها، فكان النقل الإسلامي سبيلا لتنمية العقلانية الإسلامية، وكان هذا التطور من طبيعة المعجزة متناسباً ومتسقاً مع مرحلة النضج التي بلغتها الإنسانية.

العقل في الإسلام هو سبيل الإيمان بوجود الله ووحدانيته وصفاته، لأن الإيمان بالله سابق على التصديق بالرسول وبالكتاب الذي جاء به الرسول، لأنه شرط لهما، ومقدم عليهما، فالتصديق بالكتاب النقل متوقف على صدق الرسول الذي أتى به، والتصديق بالرسول متوقف على وجود الإله الذي أرسل هذا الرسول وأوحى إليه، والعقل هو سبيل الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى، وذلك عن طريق تأمل وتدبر بديع نظام وانتظام المصنوعات الشاهدة على وجود الصانع المبدع لنظام وانتظام هذه المصنوعات، فالعقل في الإسلام هو أداة الإيمان بجوهر الدين (الالوهية) وذلك على حين كان العقل غريباً ومستبعداً من سبل الإيمان في حقب الرسالات السابقة على الإسلام، حقب المعجزات المدهشة للعقول، عندما كانت الإنسانية في مراحل الطفولة “خرافا ضالة” تؤمن بما يلقى الى قلبها من دون إعمال عقل، لأن الإيمان كما قال القديس والفيلسوف النصراني “انسيلم” لا يحتاج إلى إعمال عقل.

إن النقل لم يكن أبدا مقابلا للعقل، لأن المقابل للعقل هو الجنون وليس النقل، ولأن النقل الإسلامي والمتمثل أساساً في القرآن الكريم هو مصدر العقلانية المؤمنة والباعث عليها، والداعي لاستخدام العقل والتفكر والتدبر في آيات الله المنظورة والمسطورة جميعاً.

وآيات القرآن التي تحض على العقل والتعقل تبلغ 49 آية، أما الآيات التي تتحدث عن “اللُّب” بمعنى عقل وجوهر الكانسان فهي 16 آية. كما يتحدث القرآن عن “النهى” بمعنى العقل في آيتين، وعن الفكر والتفكر في 18 آية، ويذكر الفقه والتفقه بمعنى العقل والتعقل في 20 موضعاً في القرآن ويأتي العقل بمعنى التدبر في أربع آيات، وبمعنى الاعتبار في سبع آيات، أما الآيات التي تحض على الحكمة فهي 19 آية. ويذكر القلب كأداة للفقه والعقل في 132 موضعا، ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التي تبلغ في القرآن أكثر من 800 آية.. وبهذا يتضح لكل مَنْ له عقل أن النقل الإسلامي وهو الشرع الإلهي هو الداعي للتعقل والتدبر والتفقه والتعلم، والعقل الإنساني هو أداة فقه الشرع، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع اللاهي ولذلك لا أثر للشرع من دون العقل، كما انه لا غنى للعقل عن الشرع وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدين، ذلك إن العقل مهما بلغ من العظمة والتألق في الحكمة والإبداع هو ملكة من ملكات الإنسان، وكل ملكات الإنسان بالخبرة التاريخية والمعاصرة هي نسبة الإدراك والقدرات تجهل اليوم ما تعلمه غدا، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر..

العقل مناط التكليف، وغير العاقل لا ينال شرف التكليف من الله تعالى؛ إذ التكليف لا يكون إلا لمن أمكنه علم الحق والعمل به، ومعرفة الباطل واجتنابه، وهذا لا يمكن إلا من أهل العقول.

الغاية من وجود العقل أن يدل الإنسان ويعرفه على الطريق السليم، ويفرق به بين الحق والباطل، ويقيم به الأمور، وهو حجة على الإنسان يوم القيامة.. وإلا فكيف سيحاسبنا الله إن كان العقل ليس بحجة؟!؛ فالإسلام قد جعل العقل مناط التكليف، أي جوهر إنسانيَّة الإنسان.. والقرآن وهو المعجز لم يأت ليدهش العقل، فيشله عن التفكير كحال المعجزات الماديَّة، وإنما جاء معجزة عقليَّة، تحتكم إلى العقل في فهمه وتدبره، وفي استنباط الأحكام من نصوصه، والتمييز بين المحكم والمتشابه في آياته، بل لقد جعل القرآن الكريم من البراهين العقلية السبيل للبرهنة على وجود الخالق

فلا أثر للشرع من دون العقل، ولكني أجهر كذلك بأنَّه لا غِنى للعقل عن الشرع وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدينلأنَّ العقل مهما بلغ من العظمة والتألق في الحكمة والإبداع هو ملكة من ملكات الإنسان، وكل ملكات الإنسان – بحكم “الخبرة التاريخيةو”المعاصِرة”؛ أعني بحكم “الاستقراء” و”الواقع” – هي نسبيَّّة الإدراك والقدرات؛ تجهل اليوم ما تعلمه غدًا، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر
ونُذَكِّر في الختام بالقول البليغ لعلمائنا – والذي ركبتُهُ من أقوال الغزالي وابن تيمية وابن خلدون والشاطبي، على الترتيب –: “مثال العقل: البصرُ السليم عن الآفات والآذاء، ومثال الشرع: الشمسُ المنتشرة الضياء؛ فالعقل مع الشرع نورٌ على نور.. العقل شرطٌ في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، والأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل – أعني قَطْعِيَّهُ – باطلة.. العقلُ ميزانٌ صحيح، وأحكامه القطعيةُ يقينيةٌ لا كذب فيها، غير أنَّك لا تطمع أن تزِن به كل ما وراء طوره, أو أن تعلم به ما يفوق حدود معرفته؛ فللعقول في إدراكها حدود تنتهي إليها لا تتعداها؛ إذ ليس للعقل سبيلٌ إلى إدراك كل مطلوب

بين عالمي الغيب و الشهادة :

عالم الشّهادة : وهو العالم المادّي المدرك بالحواس
عالم الغيب : وهو عالم غير مادّي وغير مدرك بالحواس

وإذا كانت ميادين عالم الشهادة الكون بكل ما فيه ومَنْ فيه مفتوحة على مصاريعها أمام العقل وأمام التجربة بالنسبة للإنسان، فإن هناك ميادين، وخاصة في معارف عالم الغيب، سبيل معرفتها النقل أي الوحي فالهدايات التي يهتدي بها الإنسان هي “العقل” و”النقل” و”التجربة” و”الوجدان” وليست العقل وحده دون سواه، وبتنوع الهدايات وسبل المعرفة الإنسانية مع تنوع مصادر المعرفة الإنسانية الوحي وآيات الله المسطورة مع الكون وآيات الله المنظورة تتكامل وتتوازن المعرفة الإنسانية.

الغيب :

التعريف اللغوي: غيب: الغين والياء والباء أصلٌ صحيح يدل على تستُّر الشيء عن العيون، ثم يقاس من ذلك الغَيْب: ما غَابَ مما لا يعلمه إلا الله، ويقال: غابت الشمس تَغِيب غَيْبَةً غُيُوبًا، ووقعنا في غَيْبَةٍ وغَيَابة؛ أي: هَبْطةٍ من الأرض يُغلب فيها؛ ( وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبّ ) يوسف: 10، والغيبة: الوقيعة في الناس من هذا؛ لأنها لا تقال إلا في غَيبة الغيب ما لا يقعُ تحتَ الحَوَاسِّ وَلاَ تَقْتَضِيه بِدَايَةُ العُقُولِ وإنمَا يُعْلَمُ بخَبرِ الأنْبِيَاء ِعليهم السلام... الغيب مثل حقيقة الذات الإلهيّة والبعث والملائكة

نلاحظ أن اللفظ يدور معناه حول ما خفي وتستَّر عن المُعَين

كلمة الغيب تطلق على كل شيء غاب عن إدراك حواسِّ الخلائق كلهم أو بعضهم، أما الله - سبحانه - فلا شيء في الوجود كله هو غيب بالنسبة إليه، بل كل ما في الوجود هو من عالم الشهادة بالنسبة إليه. وورد لفظ الغيب في القرآن (53) مرة: (4) مرَّات بصيغة الجمع (الغيوب)، ومرة واحدة بصيغة (غيبه.

و نورد هذه التعاريف المتعددة لعالم الغيب .( عالم الغيب عالم ذو طبيعة عقلية معنوية متعالية عن المادة؛ ولذلك فإنه ليس بعالم قابل للشهود الإنساني، بل يدرك الإنسان ثبوته وآثاره فحسب؛ كالموجود الإلهي، ووجود الملائكة، والجن، والجنة والنار، وغيرها من الموجودات الغيبية، والله - تعالى - وحده الذي يحيط علمه بعالَمَي الغيب والشهادة جميعًا. خلافة الإنسان بين الوحي والعقل )؛ عبدالمجيد النجار، ص 42. 2- عالم الغيب: " ( عالم يخص به علم الله وحده، يوحي ما يشاء من أمره على مَن يشاء من عباده، ويرسلهم بالرسالات إلى الأمم، هداية وتبصيرًا بمعنى وجودهم، وغاية هذا الوجود وعلاقته ومآلهأزمة العقل المسلم )؛ عبدالحميد أبو سليمان، ص 110.
3-
عالم الغيب:  (كل أمر غائب عن مجال إدراكنا الحسي حسب العادةالعقيدة الإسلامية ) ؛ عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني، ص 28.

الشهادة :

شهد: الشين والهاء والدال، أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور والعلم والإعلام

ورد لفظ شهد بمشتقاته (124) مرة

نلاحظ أن عالم الشهادة هو الكون المحسوس، وأهم خصائصه إمكان تعقُّله، وأداة البحث فيه الحسُّ ثم يتبع العقل، وكلا الأداتين تتكاملان.

والآيات التي جاءت في القرآن الكريم تدعو الإنسان لأن يُعْمِل عقله في آيات الآفاق كثيرة جدًّا، منها قوله – تعالى  ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ  ) لقمان: 11، وقوله ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ  ) ق: 6- 8

ميدانا الشهادة يتلازم ذكرهما في آيات كثيرة مفصَّلة في ظواهر الكون، ومخلوقاته، وطاقاته، وقوانينه، والقرآن يرينا تكاملَ الميدانين؛ حيث إن الكون مسخر للإنسان، نافيًا بذلك نظرية الصراع بين الإنسان والكون، وهذا ينشأ المواءَمة بين العلم والدين، والكون والتوحيد

المنهج المعرفي القرآني يرمي إلى إيجاد المتعلِّم المستوعِب لقوانين الشهادة المستمدَّة من عالم الغيب؛ ليتحقق الارتباط الإيجابي بين الغيب والشهادة

بتدبُّر آي القرآن الكريم نجد عالَمَي الغيب والشهادة متكاملَين، كما في آي القرآن عن الظواهر الكونية في ميدان الآفاق من عالم الشهادة، مع ذكر بعض المخلوقات من عالم الغيب؛ كتسبيح الرعد بحمده والملائكة( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) الرعد 12-13

 

 

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×